المحاضرات » علم اللغة واللسانيات » المحاضرة(الأولى): التعريف باللغة

 المحاضرة(الأولى): التعريف باللغة  أضيف في: 26/02/2013
المحاضرة الأولى ماهية اللغة

المعنى اللغوي لكلمة ( لغة) مادة ( ل غ و ) :


قبل أن نتحدث عن مفهوم اللغة وماهيتها وتعريفها باعتبارها مصطلحاً علمياً ، رأينا أولاً أن نتتبع المادة اللغوية للكلمة في بعض المعاجم العربية، للوقوف على دلالة المادة المكوِّنة لكلمة (لغة) . فكلمة لغة من مادة " ل غ و " ، كما وردت في قاموس لسان العرب تحت المادة ( (لَّغْو) واللَّغا السَّقَط وما لا يُعتدّ به من كلام ، وغيره ولا يُحصَل منه على فائدة ، ولا على نفع . وقال الأَصمعي: ذلك الشيء لَكَ لَغْوٌ ولَغاً ولَغْوَى ، وهو الشيء الذي لا يُعتدّ به. و قال : الأَزهري : واللُّغة من الأَسماء الناقصة ، وأَصلها لُغْوة من لَغا، إِذا تكلم كأَن قول عائشة : إِنَّ اللَّغْوَ ما يجري في الكلام على غير عَقْدٍ . وقال الشافعي : اللَّغوُ في لسان العرب الكلام غير المعقود عليه. وجِماعُ اللَّغْو هو الخطأُ . قال الأَصمعي: لَغا يَلْغُو إِذا حَلَفَ بيمين بلا اعتقاد . وقيل : معنى اللَّغْوِ الإِثم، والمعنى لا يؤاخذكم الله بالإِثم في الحَلِف إِذا كفَّرتم ، يقال لَغَوْتُ باليمين ، ولَغا في القول يَلْغُو ويَلْغَى لَغْواً ، ولَغِيَ بالكسر يَلْغَى لَغاً ومَلْغاةً (1) .


أما في معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس ، فقد ورد تحت مـــــــادة "(ل غ و) قوله : (اللام والغبن والحرف المعتل) أصلان صحيحان : يدل أحدهما على الشيء لا يُعتدُ به ، والأخر على اللهج بالشيء..... ويُقال منه لغا يلغوا لغواً ،وذلك في لغو الإيمان . واللغا هو اللغو بعينه قال تعالى" لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانِكُمْ" . والثاني قولهم ( لغِي) بالأمر ، إذا لهِج به ، ويُقال أن اشتقاق اللغة منه ، أي يلهج صاحبها بها (1).


وقد ورد عند ابن جني في باب القول على اللغة : " أما تصريفها معرفة حروفها فإنها فُعلة من لغوت ، أي تكلمتُ ، وأصلها لغوة ككرة ، وقُلة ، وثُبة كلها لاماتُها واوات (2) لقولهم كروت بالكرة وقلوت بالقلة ، وأن ثُبة كأنها من مقلوب ثاب يثوبُ . ... وقالوا فيها لُغات ، ولُغُون ككُرات وكُرون ، وقيل منها لغِي يلغَى إذا هَذَى ومصدره اللَّغا وقال :


ورُبَّ أسْرَابٍ حجِيجٍ كُظّلمٍ * عنا الَلَــغا ورَفَثِ التَكَّلُمِ


وكذلك اللغو قال الله سبحانه وتعالى " وإذا مَرُّوا بالغْوِ مَرٌّوا كِرَامَا " أي بالباطل ، وفي الحديث ( مَنْ قال في الجمعة صَه فقد لغا ) أي تكلم وفي هذا خلافٌ (3) .


وعليه لم تكن مادة " ل غ و " تستخدم في القرون الهجرية الأولى بالمعنى الاصطلاحي المستخدم الآن (4). إذ كان العرب حينما يريدون التعبير عن اللغة ، يستخدمون مصطلح اللسان ، ليدلوا به على معنى اللغة . وقد جاء استخدام القرآن الكريم لكلمة اللسان موافق لما هو سائد عند العرب ، إذ وردت كلمة لسان في عدة مواضع في القرآن الكريم ستةٌ منها دلت على معنى اللغة، ومنها:


قوله تعالى " وما أرْسَلْنا مِنْ رسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِه ليُبيِّنَ لهُمْ فَيُضِّلُ اللهُ مَنْ يشَاءُ ويَهْدِي مَنْ يشَاءُ وهُوَ العزِيزُ الحَكِيمُ"(5) . حيث عنى القرآن بلسان قومه أي بلغة قومه . وقوله تعالى " فإنِّما يَسَّرْناه بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِين وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمَاً لُدَّا "(1) ، أي بلغتك . وقوله تعالى " إنَّه لتنزِيلُ رَبِّ العَالَمين * نَزَلَ بِه الرُوحُ الأمينُ * على قلبِكَ لِتَكُونَ أولَ المُنذِرِين بِلِسَانٍ عربِي مُبِين " (2) . أي بلغة عربية واضحة. وقوله تعالى " فإنَّما يسرناه بِلِسانِكَ لعَلَّهُم يتَذَكَّرُون " (3) وقوله تعالى " ومِن قَبلِه كِتَابُ موسى إمَامَا ورحمةً وهذا كِتابٌ مصدِّقٌ لِسَاناً عربياً لُينْذِرَ الذِّين ظَلَمُوا وبُشرى للمحسنين "(4)


وهذا ما كان عليه الحال في سائر اللغات السامية ، إذ تُستخدم كلمة اللسان لتدل على اللغة . أمَّا كلمة " لغة " المستخدمة عندنا اليوم فهي في الأصل يونانية Logos ، ومعناها الأصلي هو " كلمة أو كلام ". وبالنظر إلى اللغة اللاتينية ، نجد الكلمة ( Logos ) تدل على عدد من المعاني منها (الوحي ، الحكم ، الحكمة ، المثل ، المثال ، القصة ، المقالة ، القضية المنطقية ، التعريف ، التفكير) ، وكلها تدور حول التعبير اللفظي عن التفكير (5). ومنها الكلمة الإنجليزية المعاصرةLanguage واللاتينية الحديثة ( Langa) .


واستخدمت كلمة (لغة)في التراث العربي أول الأمر ، بمعنى الكلام غير المفهوم ، والذي لا يُعتَّدُ به كما ذكرنا . ويبدو أن الكلمة أول ما عرفها العرب دلت عندهم على صفة الكلام غير العربي ، ومن ثم اُستُعِيرتْ من اللغات الأخرى ، وأصبحت تستخدم في العربية لتدل على أي كلام غير مفهوم ولا يعتد به ، أي قول بلسان أعجمي غير واضح . وما زالت تستخدم في بعض العاميات العربية إلى اليوم بهذا المعنى (1). ثم جاء ابن جني وكان أول من استخدم كلمة ( لغة ) كمصطلح ليدل به على المعنى المعروف لدينا الآن وهو أصوات يعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم .


اللغة اصطلاحاً :


اللغة في التعريف العام " هي مجموعة من التعبيرات الإرادية ، التي يستخدمها الكائن الحي بهدف الاتصال ببني جنسه " (2) وللوقوف على ما ورد في التعريف العام للغة، لا بُدَّ لنا من تحليل أهم الكلمات الواردة فيه، وهي ( تعبيرات ، إرادية ، اتصال ، بني جنسه ) :


فالتعبيرات قُصد بها، كل ما يصدرُ من الكائن الحي ، والإنسانِ على وجه الخصوص ، وتشمل جميع التعبيرات الإرادية ، وغير الإرادية (أو الفطرية ، أو الغريزية ، أو الطبيعية ) التي تصدر من الإنسان . فتشمل التعبيرات السارة ، والأليمة المنطوقة ( أصوات) ، التي تُدرك بواسطة حاسة السمع ، وتلك المرئية ( أشكال ) ، التي تدرك بواسطة حاسة البصر . فتعبيرات مثل وقوف شعر الرأس ، واتساع حدقة العينيين ، أو ضيقهما ، وارتعاد الأطراف ، أو تصببهما عرقاً ، والضحك ، والبكاء كلها تعبيرات عن حالات انفعالية هي بالترتيب : ( الخوف ، الدهشة ، الغضب ، الاضطراب النفسي ، الفرح ، والحزن) كلها تعبيرات تفرِضُ نفسها على محيا الإنسان بشكل غريزي ، دون إرادته نتيجة لتغيرات بيولوجية في أجهزته الداخلية ، بسبب انفعالات نفسية تتطلب مزيداً من الأوكسجين للدماغ ، مما يؤدي إلى تسارع عمل الأجهزة الداخلية ، بسبب تسارع نبضات القلب ، لتوفير الكمية الإضافية التي يحتاجها الدماغ من الأوكسجين . بمعنى أخر أن الأجهزة الداخلية للإنسان تعمل بإيقاع ثابت ، وتناغم في تأدية وظائفها البيولوجية بتحكم من عقله ، فإن حدث أن أحس الإنسان بأي حالة انفعالية مهما كانت ، يتأثر بها الدماغ باعتباره مركز الجسم ، فيحتاج عندها إلى كميات إضافية من الأوكسجين لمقابلة تلك الحالة الانفعالية ، مما يتطلب زيادة نشاط الأجهزة الداخلية لتوفير الكمية الإضافية التي يحتاجها الدماغ ، فتعمل الرئتان بمعدل أعلى من الطبيعي لتسريع عملية فصل الأوكسجين من الغازات الأخرى ، وتتسارع معدلات نبضات القلب لنقل الكمية الإضافية من الأوكسجين ، وينتج عن ذلك تسارع عمليات تنقية السوائل في الكليتين نتيجة لتسارع الدورة الدموية مما يؤدي إلى تزايد إفرازات العرق . وبالتالي تتزايد معدات عمليتي الشهيق والزفير نتيجة لذلك . وهكذا يظهر أثر هذا التسارع في عمل الأجهزة الداخلية على محيا الإنسان ، متمثلاً في احمرار الوجه ، والوجنتين ، وارتعاد الإطراف ، و تصببهما عرقاً .. الخ من علامات نعرف من خلالها أنها تدل على إحساس الإنسان - مصدرها - بحالة من الحالات الانفعالية غير العادية .


ولذلك هذه التعبيرات الفطرية لا تعنينا في ما يتعلق باللغة ، لأنها فطرية ، وغير إرادية ، وغير مقصودة من ناحية ، ومن ناحية أخرى فهي في حدِ ذاتها متداخلة ومتنوعة ، ومختلفة من فرد لآخر ، إذ لا يشيرُ التعبير الواحد منها إلى حالة انفعالية محددة لدى جميع البشر . بل تختلف وتتنوع من فرد إلى آخر ، فالخوف مثلاً قد يظهر على محيا أحد ما ، بارتعاد أطرافه ، وعند آخر بتصببه عرقاً ، وعند ثالث باحمرار وجهه ، وعند رابع بعدم قدرته على التحكم في نفسه وهكذا وعند آخر لا شيء .


ولهذا أضاف التعريف كلمة ( الإرادية ) ، ليُخرج التعبيرات الفطرية – الغريزية ، الطبيعية – عن اللغة لأنها غير مقصودة ، ولا تحمل رسالة تحمل مضمون محدد أراد المَصْدَرُ منتجها إيصالها إلى متلقي


وذكر التعريف تعبير الكائن الحي ، لأن هذه التعبيرات خاصة بالكائنات الحية جميعها ( الإنسان ، والحيوان ) مما يشير إلى عموميتها ، وبالتالي يَعْتَبِرُ التعريف الأصوات ، والحركات الصادرة من الحيوان ، نوع من أنواع اللغة التي تستخدمها هذه الكائنات الحية . ثم حدد الغرض من هذه التعبيرات ، وهو الاتصال ببني جنسه .


على العموم يعتبر هذا التعريف شاملاً ، ولا يعبِّر عن اللغة كما نعرفها الآن ، بسبب عموميته التي تشمل جميع الكائنات الحية ، وعليه فلا تُعْتَبَرُ الأصوات الصادرة من الحيوانات ، لغة اتصال شبيه بلغة الإنسان وذلك لأن تلك الأصوات الحيوانية ليست إلا ثلاث أنماط :


1/ أصوات خالية عن المقاطع ، لا تكوِّن كلمات بل يتكرر صوت واحد ، أو صوتين عدة مرات للتعبير عن حاجات محددة ، مثل الحاجة إلى الطعام ، أو الشرب ، أو الجنس ، أو الأمن . مثل الغثاء ، والفحيح ، والخوار ، الصهيل ، النقيق والصهيل .. وغيرها .


2/ مقاطع صوتية ذات فونيمات أكبر ، وأطول من الأولى تصدرها القردة للتعبير عن نفس الحالات الانفعالية ، أو الحاجات الفطرية بالرغم من أن الأجهزة الداخلية للقردة أقرب شبهاً من الجهاز الصوتي لدي الإنسان ، إلا أنها لم تستطع تسخيرها لإنتاج الكلام ذو المقاطع الذي يحمل دلالات كما يفعل الإنسان . وذلك لضعف قدراتِها العقلية وغياب مراكز اللغة في أدمغتها .


3/ مقاطع صوتية تمثل كلمات كاملة ، تصدر من بعض الطيور كالببغاوات ، وهي ليست من اللغة في شيء ، إذ أن الببغاء لا يقصد التعبير عن شيء محدد، بقدر ما تصدر الكلمات منه بشكل غير إرادي ، وهو ما يُعْرَفُ بالتداعي الآلي ، بسبب سماعه للكلمة وترديده لها عدة مرات بشكل آلي لا دخل لعقله فيه .


إذن اللغة بالمعنى العام ، هي مجموعة التعبيرات الإرادية( المقصودة) ، التي يستخدمها الكائن الحي ( الإنسان ) ، بهدف الاتصال ببني جنسه. فهذه التعبيرات الإرادية منها أصوات تدرك بواسطة الأذن ، سواء كانت أصوات مركَّبة تَصدُرُ من جهاز الإنسان النطقي ، أو أصوات ذات مقاطع محدودة متكررة تصدر من مصادر أخرى ، مثل لغات الطبول في المجتمعات البدائية في حوض نهر الأمازون ، أو عند بعض الجماعات البدائية في الغابات الأفريقية ، وما يستخدمه المتمدنون من رموز صوتية ، مثل الأجراس في الكنائس والمدارس والبيوت ، والأبواق المستخدمة في الجيش ، وفي السيارات العامة ، وسيارات الطوارئ (1) . ومنها حركات جسمانية تُدْرَكُ بواسطة العين ، تستخدم في حالات معينة مقصودة ، مثل حالات الصيام الديني عن الكلام (2) ، والتعبيرات الإشارية التي يستخدمها الصيادون - خوفاً من إثارة انتباه الحيوان المُراد صيده – ، وتلك التي يستخدمها الجنود في العمليات القتالية ، التي يكون التخفي محورها الرئيس ، والإشارات والعلامات الضوئية ، أو الرايات التي يستخدمها بحارة السفن في كل المحيطات والبحار . واللغة الإشارية الخالصة التي يستخدمها الإنسان عند تعامله مع أشخاص لا يعرف شيئاً عن لغتهم ، ولا يعرفون هم شيئاً عن لغته ، مثل تلك الإشارات التي استخدمها الرحَّالة ، والمستكشفون في رحلاتهم لأمريكا اللاتينية ، وأفريقيا في القرن قبل الماضي . بجانب الإشارات العالمية المستخدمة في الصناعة ، والمرافق العامة كالمطارات والمواني وغيرها ، وإشارات الدخان التي تستخدمها القبائل البدائية . فكل هذه الإشارات برغم خلُّوها من الصوت فهي لغة ، لأنها تستخدم باعتبارها رموزاً تحمل دلالات ، قَصَدَ منتجها توصيل رسالة أو فحوى ومضمون محدد لمسُتْقِبِلِِها ، بجانب تعددها ، وتنوعها ، بتعدد وتنوع دلالاتها حسب المضامين التي تحملها كل إشارةٍ.


ولكن مع ذلك ، لا بد لنا أن نحاول وضع تعريف دقيق ، علمي مقنع قائم على الضبط والتنظيم للغة ، باعتبارها عِلْمَاً من العلوم ، له شروطه ومجالاته وأسسه وضوابطه . ولكي نقف على هذا التعريف فلننظر إلى أقوال العلماء من العرب ، وبعض الأوربيين الذين أدلوا بدلوهم في هذا الأمر وقد اخترنا بعضاً منهم :


عرَّف ابن جِنِّي اللغة يقوله


" حدُّ اللغة أصواتٌ ، يعبِّر بها كل قومٍ عن أغراضهم " (1)


ابن جني هو أول من عرَّف اللغة ، أي أول من وضع تعريفاً دقيقاً شاملاً للغة . وذلك لأن تعريفه شمل كل الجوانب المتعلقة باللغة وهي :


1/ الجانب الصوتي ، وعبَّر عنه بقوله أصوات .


2/ الجانب العرفي ، وعبَّر عنه بقوله يعبِّر بها .


3/ الجانب الاجتماعي ، وعبَّر عنه بقوله كل قوم


4/ الجانب الوظيفي ، وعبَّر عنه بقوله عن أغراضهم .


وهنا بيِّن ابن جني الطبيعة الصوتية للغة ، كما بيَّن غاياتها وأهداف استخدامها ، وهو التعبير عن الأغراض . وبيَّن عرفية اللغة بقوله كل قوم . أي أن كل جماعة لغوية تستخدم وسيلة صوتية تميزها عن غيرها من الجماعات اللغوية الأخرى .


2/ هنري سويت Henry Sweet


عرف اللغة بأنها " التعبير عن الأفكار بواسطة الأصوات الكلامية المؤتلفة في كلمات "


لم يزد تعريفه عن تعريف بن جني ، إلا بقوله أصوات كلامية مؤتلفة في أصوات . إذ قصد أن التعبير عن طريق الأصوات لا يتم إلا في إطار الكلمات . أما ما عداها من أصوات فهو ليس من اللغة في شيء ، غير أنه لم يذكر وظيفة اللغة ، ولا دورها الاجتماعي كما فعل بن جني .


3/ إدوارد سابير Edward Sappier


" وسيلةٌ إنسانيةٌ خالصةٌ لتوصيلِ الأفكار والانفعالات والرغبات عن طريق نظام من الرموز التي تَصْدُرُ بطريقة إرادية "(1)


فهو قد ذكر كل الجوانب التي شملها تعريف بن جني ، عدا وظيفتها الاجتماعية . وعرفيتها عند كل مجموعة لغوية وتَنَوُّعُ وتعدُّدُ الجماعات اللغوية . ويزيد تعريفه على سابِقَيه ، في أنه ركَّز على ناحية الرمز، لكي يضم شكلَي اللغة ( الملفوظ المدرك بواسطة السمع ، والملحوظ المدرك بواسطة البصر أي المكتوب) . كما ميَّز اللغة كنظام خاص بالإنسان عن بقية النظم التي تستخدمها الكائنات الأخرى إن اُعتُبِرتْ نظمها الاتصالية لغةً أو حتى نظم اتصال حقيقية .


4/ فيرديناد دي سوسير Ferdinand De Saucier


يري اللغة من خلال منظورين :


الأول : ذهني ويسميه اللغة ، ويتمثل في الصورة الذهنية التي توجد في عقل الجماعة اللغوية الواحدة .


والثاني : واقعي ، وهو الكلام ، ويتمثل عند استخدام هذه الصورة الذهنية ، وخروجها إلى الواقع عن طريق الفرد .(1)


ويرى أن الصورة الذهنية ذات جانبين ، الجانب الأول هو جانب اللفظ، والثاني هو الجانب المتعلق بدلالة اللفظ .


وواضح مما ذكر أنه يتناول اللغة من وجهة نظر فلسفية ، واقعية فهو يتحدث عن عرفية اللغة بطريقة غير مباشرة ، بجعله اللغة مجموعة من القوانين ، والنظم العرفية التي تعارف عليها أفراد الجماعة اللغوية الواحدة ، والتي أُخْتُزِنتْ في أذهانهم ، والنظم التي قصدها هي كل القوانين الصوتية المتعلقة بكيفية إنتاج الأصوات ، من صوامت وصوائت ، وكيفية تداخلها مع بعضها البعض لتكوين وحدات صوتية أكبر ( الكلمات ) ، والنظم الخاصة بكيفية اشتقاق صور مختلفة للكلمات لتؤدي وظائف صرفية ، والنظم الخاصة بكيفية تداخل هذه الكلمات مع بعضها البعض، لتكوين الجمل ( الجانب التركيبي ) ،والقوانين الخاصة التي تحكم علاقة المفردات مع بعضها البعض داخل التراكيب ( الجانب النحوي ) ، والنظم المتعلقة بالأساليب اللغوية حسب مقام المخاطب ، وموقف الكلام وغيرها من قوانين . بجانب أن كل مفردة في اللغة ، مختزنة في عقل كل فرد من أفراد الجماعة اللغوية الواحدة باعتبارها رمزاً صوتياً ، يوجد ما يقابلها في الذهن شيء ( مادي) أو مفهوم ( معنوي ) تشير إليه باعتباره دلالة ، أو معنى لها . أي أن الإنسان إذا ما سمع الكلمة ، تظهر في صفحة ذهنه صورة تمثل معناها ودلالتها، وإن كانت مجرَّدة ، وبالمقابل إن أراد التعبير عن شيء رآه تظهر في صفحه ذهنه الكلمة التي يعبر بها عن الشيء المقصود.


خصائص اللغة :


للوقوف على ماهية اللغة، ووضع مفهوم دقيق يعبِّر عنها ، لا بُّد لنا من النظر إليها من خلال طبيعتها ، والتي هي ( صوت ، رمز ، عُرف )، وظيفتها (الاتصال ) ، وتتميِّز عن غيرها من طرائق الاتصال ( الاستعداد الفطري) ، وذلك من خلال الجوانب التالية: ( الصوت ، الرمز ، العرف ، الاستعداد الفطري ، الاجتماعي الثقافي )


الطبيعة الصوتية للغة


فاللغة في الأصل أصوات ، وهذه الأصوات هي عبارة عن رموز . بمعنى أن كل وحدة صوتية منها تستخدم ، باعتبارها رمزاً لدلالة محددة تعارف عليها أفراد الجماعة اللغوية الواحدة .فالشكل الرئيس والأساس للغة هو الصوت الصادر نتيجة مرور هواء الزفير المرمي من داخل الرئتين مروراً بالمخارج الصوتية . فأي لغة مهما كانت تعتمد بشكل أساسي على الصوت المنطوق . وذلك يؤكده أن العارفين بالشكل المرئي من اللغة ( المكتوب ، المقروء ) هم قلة عادة في أي مجتمع لغوي تستخدم فيه الكتابة. بجانب أن هناك كثير من اللغات ليس لديها رموزاً كتابية . ولذا لاحظنا أن جميع التعريفات التي عرضها ركزت على الطبيعة الصوتية للغة باعتبارها الصفة الأولى للغة .


رمزية اللغة :


اللغة ليست أصوات فحسب ، بل هي نظام متكامل من الرموز الصوتية المركَّبة ، من أصوات متتابعة تتكون منها آلاف الكلمات ، تحمل دلالات مختلفة ، تهدف إلى التواصل بين أفراد الجماعة اللغوية الواحدة . ولذلك نعتبر اللغة نظاماً صوتياً إشارياً ، إذ تستخدم فيه الأصوات المركبة للإشارة إلى الأشياء .


فالعلاقة بين الرمز الصوتي في اللغة ( الكلمة ) ودلالتها علاقة اعتباطية ذهنية في المقام الأول ، ذهنية بمعنى أنها موجودة في الذهن كما أشار إليها فيرديناند دي سوسير ، مختزنة في الذهن بضعة أصوات (كلمات) من جهة وتقابلها في الجهة الأخرى دلالاتها . فما أن يسمع الشخص الكلمة حتى تظهر في صفحة ذهنه صورة الشيء الذي تعبر عنه الكلمة ، والعكس ما أن يرى الشخص الشيء تظهر في صفحة ذهنه الكلمة الدالة عليه .


والعلاقة التي تربط بين اللفظ ودلالاته ، هي علاقة اعتباطية المنشأ، أي أنه لا توجد أي علاقة بين الرمز(الكلمة) ومعناه . وذلك لأن أهل اللغة الواحدة تعارفوا فيما بينهم على إطلاق اللفظ المعين على الشيء ، أو المعنى المعين الذي أرادوا التعبير عنه . وهذا يعنى أن قيمة الرمز اللغوي تأتي من العُرف الاجتماعي إذ تنحصر هذه العلاقة بين أفراد الجماعة اللغوية الواحدة ، الأمر الذي قاد إلى تنوع وتعدد واختلاف اللغات الإنسانية بتنوع وتعدد المجتمعات الإنسانية . لو لم تكن العلاقة بين الرمز اللغوي ودلالاته علاقة رمزية اعتباطية عُرفية لتشابهت طرق التعبير ولكان اسم الشجرة مثلاً واحد في كل اللغات لوحدة الموجودات الكونية في كل البيئات الجغرافية في الأرض . فالأشياء مثل ( السماء ، الأرض ، الشجرة ، الكلب ، النجوم ، الشرب ، الأكل ، النوم الأدوات ...... وغيرها من الموجودات الكونية كلها ) هي هي في كل مكان ولكن نجد الألفاظ التي تُطلق على هذه الموجودات هي التي تختلف من مجتمع لغوي إلى آخر ، الأمر الذي يؤكِّد رمزية وعرفية اللغة .


مثال النبات كبير الحجم يسمى في العربية ( شجرة ):


فهو في الإنجليزية ( تريtree) ، في السواحيلية (مَتِي mti) ، في الفنلندية (بووpuu) ، في الأزربيجانية (باتشPatch) في الأرمينية (ثوون thuun)، في السويدية ( تراد trad) في الفلبينية ( كاييcay) ، في في المقدونية ( داربوdarbo)، في الأردية( درخت) ، في التشيكية ( سترومstrom) ، في الملاوية ( بوكوكpokok) ، في الألبانية ( بيمي peme) ، في الصينية ( شووب) ، في في الهندية( بيييت) ، في في الأكرتنية ( ديبيبو depepo) ، في الكورية ( إنداكوindako) ، في الهنغارية ( فا fa) ، في الأيرلندية ( كرانcran) في الهولندية ( بووم buum) ، في الاسبانية ( أربول arbol) ، في الولزية ( تويد toed) ، في في البولندية ( ذيرفور jervor) ، في الرومانية ( كوباك copac) ، في لبيونانية ( فيدرو vedro) ، في الأندونيسية ( بوفوpovo) ، وأخيراً في التاميلية ( مارامmaram) .


لاحظنا مما سبق أن الاسم الذي تطبقه اللغات السابقة اختلف من لغة إلى أخرى مع أن المسمى –الشيء-( شجرة) واحد في كل البيئات الجغرافية لسكان الأرض . فهذا دليل على رمزية اللغة التي لولها لتحدت الأسماء في اللغات وبالتالي اتحدت اللغات.


أما الجانب الآخر من مميزات اللغة الإنسانية عن غيرها من طرق التعبير لدي الكائنات الحية الأخرى ، فهو الاستعداد الفطري ، وقصد به قدرة الإنسان وتهيئته واستعداده في إنتاج أصوات اللغة ، وتنويعاتها المختلفة من جهة ، وقدرته على تخزين هذه الرموز الصوتية ، ودلالاتها في ذاكرته من جهةٍ أخرى . إذن الاستعداد الفطري ذو جانبين الأول يتمثل في القدرة البيولوجية المتمثلة في جهاز الإنسان النطقي الأمر الذي مكَّنه من إنتاج الأصوات اللغوية المتنوعة ، والمختلفة التي تتكون منها اللغة . والجانب الثاني للاستعداد الفطري يتمثل في القدرة الذهنية المتمثلة في العقل البشري ، والتي مكَّنتْ الإنسان من تخزين الرموز الصوتية - التي يسمعها ، ويتعلمها من إخوانه في البيئة المحيطة - به في ذهنه ، ودلالاتها المختلفة ، واستدعائها وقتما شاء .


وظيفة اللغة :


تقوم اللغة بدور هام جداً في المجتمع ، وهو باعتبارها أهم وسيلة من وسائل الاتصال . فلكي نجري عملية اتصال ناجحة لا بد من وجود أربع عناصر وهي :


1/ المُرسِل ، 2/المُسْتَقبِل ( وهما طرفا الاتصال ) 3/ وسيلة الاتصال ( القناة التي عن طريقها يتم الاتصال 4 / الرسالة وفحواها ومضمونها .


ففي اللغة المنطوقة يكون المرسل هو المتكلم ، والمستقبل هو المخاطب والقناة هي الكلام ، والرسالة هي المضمون ، أو الفحوى ، والفكرة التي أراد المتكلم توصيلها إلى المخاطب .


وبالتالي فإن أهم وظائف اللغة هي الاتصال ، وهي أفضل وسيلة لتوصيل الأفكار والرغبات وتبادلها ، ولم يخترع الإنسانُ بعْد وسيلة أفضل منها للقيام بمسألة الاتصال بين طرفين .


كما هناك كثير من وظائف اللغة مثل أنها مساعد آلي للفكر (وسنتحدث عن ذلك بتفصيل أدق في محاضراتنا القادمة تحت عنوان علاقة اللغة بالفكر في مقررات علم اللغة النفسي)


للمزيد حول الموضوع راجعي كتابي (مدخل إلى اللغويات)



_________________________________________
1 / ابن منظور / لسان العرب ج15/ص250

1 / أحمد بن فارس / معجم مقاييس اللغة /المجلد الثاني / ص480

2 / أي أن الحرف الأخير في كل منها أصله واواً

3 / ابن جني / الخصائص / ص33

4 / باعتبارها وسيلة اتصال بين أفراد المجتمع

5 / الآية (4) سورة إبراهيم

1 / سورة مريم / الآية 97

2 / سورة الشعراء / الآية 195

3 / سورة الدخان / الآية 58

4 / سورة الأحقاف / الآية 12

5 / حسن ظاظا/ اللسان والإنسان ص130

1 / بدليل نأخذه من العامية السودانية حيث يقال للكلام غير المفهوم وإن كان بلغة غير العربية لا يفهما السامع ( لغلغةً) . ويُطلق على من ينعقدُ لِسانه ويعجز عن البيان ( لِكة) وما الكلمة إلا تغير الغين إلى كاف بنتقال المخرج ، تغير تكفله قوانين قلب الصوامت وتبدلها.

2 / على عبد الواحد وافي / علم اللغة ص82

1 / محمود السعران / علم اللغة مقدمة للقارئ العربي / ص58

2 / صيام زكريا عن الكلام باعتباره آية لمولوده يحي برغم كبر سنه وعقم زوجته قال تعالى ( قَالَ ربِي اجعل لي آيةً قالَ آياتُكَ ألا تكّلِم الناسَ ثلاثَ لياليِ سويا * فخرج إلى قومه من المحراب فأوحي إليهم أن سبحوا بكرةً وعشية ) سورة مريم الآيات 10 -11
وصيام مريم بعد حملها بالمسبح عليه السلام ، وحين نادها من تحتها قوله تعالى ( هُزِّي إليك بجذعِ النخلةِ تُساقِط عليك رطباً جنيا * فكُلي واشربي وقري عينا فإما ترِين أحدا من البشرِ فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ولن اكلِّم اليوم إنسيا ) سورة مريم الآيات 25-26

1 / ابن جني / الخصائص / ص33

1 /فندريس / اللغة / ترجمة محمد القصاص / ص26

1/ محمود السعران / علم اللغة مقدمة للقارئ العربي/ ص245


الكاتب: د/ موسى حامد موسى خليفة انقر هنا لمراسلة د/ موسى حامد موسى خليفة أنقر هنا للإنتقال إلى موقع د/ موسى حامد موسى خليفة إضافة للمفضلة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات الدرس : ارسل الدرس لصديق ارسل الدرس لصديق  طباعة الدرس طباعة الدرس  حفظ الدرس كملف Word حفظ الدرس كملف Word  حفظ الدرس كملف PDF حفظ الدرس كملف PDF

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا الـدرس



POWERED BY: Abu wadah H